فتى في الرابعة لايقهره أحد… ألف عام من الركض في فيلم وثائقي
كتبهافجر يعقوب ، في 21 تشرين الأول 2008 الساعة: 18:15 م
دمشق – فجر يعقوب الحياة - 20/10/08//
عرضت فضائية «العربية» أخيراً فيلماً وثائقياً بعنوان «فتى لا يوقفه أحد». والفيلم الذي ينطوي على متابعة حيّة للفتى الهندي بوديا سنغ (4 سنوات) يشكل مفاجأة من نوع خاص، إذ يبدو وكأن مجموع مشاهده المؤثرة استلت من بين مجموع أفلام روائية أعيد توليفها للتو وقد اشتهرت على مستوى عالمي، فما بين «العدّاء» للإيراني أمير نادري و«أطفال السماء» لمواطنه مجيد مجيدي سوف نجد البطل الهندي الصغير ملتحفاً العراء والجوع وفقر الدم وليس له من غطاء سوى السماء وبعض الأسمال المهترئة التي تليق بيتيم مثله.
ومع ذلك يحظى هذا الطفل بلقب أصغر عدّاء في العالم ويتدرب «أمامنا» ليقطع مسافة 70 كلم عدواً في حرارة لا تطاق «يمكنها أن تقهر أكبر العدّائين الكينيين» كما يخبرنا الفيلم بذلك.
لقد تحول عَدْوُ الفتى الذي لا يقهر إلى معركة سياسية في الهند، وعلى رغم المخاوف المترتبة على ذلك، فإن قوات الشرطة الاحتياطية نفسها بما لها من مآرب خاصة، أخذت تدعم حدث الاستعداد لسباق الماراثون الطفلي، وهاهي تجهز 1200 من عناصرها بهدف الاصطفاف بجانب بوديا والركض معه، وفيما هو يجهز نفسه لقطع مسافة 70 كلم بمعدل 10 كيلومترات كل ساعة، فإن عناصر الشرطة «الفاسدين» سوف يركضون معه على ورديات، فيما تزداد الحرارة تدريجاً وبوديا سنغ لا يتوقف حتى لشرب الماء، ويقوم مدربه في مدرسة الجودو برانشي، وهو أبوه بالتبني في الوقت نفسه باستغلال عبوة الماء البلاستيكية وهو على دراجته ليحضه على ركض يبدو لا نهاية له في مشهد مؤثر وعنيف نفسياً.
بعد انقضاء ست ساعات من الركض المستحيل بالنسبة الى فتى بلغ أربع سنوات من عمره، سنتذكر فتى «طهران» الروائي الرائع في فيلم مجيدي الذي ما إن يفوز بسباق الضاحية حتى يتسابق الجميع لالتقاط الصور التذكارية معه، وهي الصور التي لا تعني له شيئاً، فيما تبقى عيناه معلقتين في الفراغ وقد نالت الحرارة منه وأصبح مثل خرقة وكأنه يسبح في عالم آخر غير عالمنا. وهنا تجيء اللفتة الإنسانية الوحيدة في عام بوديا القاسي من تدخل الطبيبة العسكرية المشرفة على الماراثون غير الإنساني فـ «بوديا جوهرة ولايتنا، ويجب إيقاف هذه المهزلة بحقه، وإلا سأضطر إلى تنظيم مظاهرة». ينقل بوديا إلى مركز الشرطة ليشرب الماء بنهم ويتقيأه، ويقوم طبيب عائلة برانشي المتواطئ مع المدرب بفحص ضغط دم الفتى ونبضات قلبه ليطمئن الجميع « كذباً» بأنه بخير، لكن الطبيبة العسكرية تخالفه الرأي بقولها إنهم يتلاعبون بحياته، فثمة اضطراب في نبضات قلبه وهناك تشويش دماغي حاصل له بسبب الركض.
لا يترك بوديا ليتعافى بعد سنة من انهياره على حافة 67 كلم إذ يعود للسباق ثانية، فأصغر عدّاء في العالم يجب ألاّ يتوقف فقد أصبح خبراً عالمياً، وكل محطات التلفزة الهندية تسعى إلى لقائه واستضافته وقد أضحى كل شيء مرتباً في حياته على رغم تحذيرات الكثير من المؤسسات الأهلية من أن الركض يضر بكليتيه وكبده وقلبه، فيما يعده القائمون على حياته بدراجة وسيارة وميداليات وقد ألفوا أغنية عنه تقول إنه سيتابع الركض مهما كلف الثمن حتى لو اضطر إلى خنق كل من يقف في طريقه.
بوديا سنغ الذي يجهز نفسه ليقهر المزيد من الكيلومترات وإن بلغ الخامسة ومات كما يقول مدربه فسيتحدث الناس عنه حتى بعد ألف عام وسيكون شهيداً وولاية بوري (الولاية التي يتحدر منها بوديا) تستحق ذلك.
حكاية الفتى الذي لا يقهر لا تعود جديرة فقط بالأفلام الروائية التي نشاهدها بين الفينة والأخرى، فهو تيمة واقعية موجودة بيننا وتعاش وتروى بطريقة بوديا سنغ التي تحبس الأنفاس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























