هنا قراءة أولية في الفيلم : يد تكتب على سطح ورقة بيضاء، يد مؤهلة لأن تكتب، وهي ربما تؤرخ بالكتابة للواقعة الأليمة كما جرت في الرابع عشر من شباط عام 2005، ربما لا تريد هذه اليد أن تشير بإصبع الاتهام الى أحد، أو كما تقول صاحبتها في الفيلم «ان جريمة اغتيال رفيق الحريري قد تكون واضحة بالنسبة إلي بعكس الجرائم الأخرى»! ربما لا تريد اليد المؤهلة للكتابة أن تقول شيئاً، فكل شيء قد قيل، ولم تعد الاضافة مهمة في أي حال من الأحوال. لم تعد أي اضافة مهمة بعد هذا التاريخ، فالصورة المتفجرة تكمل الرواية في فيلم «يوميات بيروت: الكذب، الحقيقة، الفيديو»، لا كما تدور بعد «الواقعة التي وقعت»، فهي هنا من يرسم الإطار ممتداً أمام مسألتين مهمتين: الحقيقة والسراب، لأن ما يقع بينهما هو يوميات مدينة تذهب إليها المخرجة الفلسطينية ميّ المصري في تجربة (لبنانية) أولى، بعد مجموعة من الأفلام التسجيلية مع زوجها السينمائي اللبناني جان شمعون. وهذا ما يجعل من ميّ شريكة نفسها في أربعة أفلام فلسطينية خالصة. وهي هنا في الفيلم الجديد تعود الى هذه الشراكة وحدها ومع جان في الوقت نفسه بما يشبه الأحجية. تعود الى موضوعة لبنانية شائكة ومعقدة، وتقرر هي أن تزيد في درجة هذا التعقيد، اذ تضع أمامنا صورة بطلة فيلمها الجديد نادين زيدان، الفتاة اللبنانية ابنة الـ 25 ربيعاً، والتي تسكن بالقرب من السان جورج، المكان الذي قضى فيه رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وصحبه ومن معه ومن جاوره صدفة في تلك اللحظة: «تلات دقايق ركض وبكون هناك». حسناً وماذا يوجد بعد هذه الدقائق المثلثة الأضلاع التي تشير إليها نادين زيدان - شبيهة ميّ المصري- ؟.. تتعدى الإجابة ضربات القلب المدوية التي حددت إيقاع الكاميرا المتوغلة في الأحداث ومجاريها، وهي لا تعود تقف محايدة. انها تدخل بين القتلى. تدخل في الانفجار ذاته، وتقول لنا ومن دون مداورة «ان ايقاعي المستلهم من الحادثة المروعة هو ما سيتحكم بي حتى نهاية الفيلم التسجيلي الطويل، وهو بالتالي ما سيتحكم بكم، وبأفئدتكم المروعة، فالموضوعة ليست اننا نسجل ما يدور أمامنا، وان كان الأمر كذلك للوهلة الأولى، الا أننا ننوي اعادة ترتيب مفاصل الرواية من فائض الصور التي «نفشت» بين أيدينا. سنضع كل هؤلاء الشبان والشابات الذين نزلوا الى «مخيمات» الاستقلال في ساحة رياض الصلح البيروتية بحثاً عن الحقيقة والوحدة الوطنية والاستقلال أمام المجهر لنكشف ما يدور في الأرواح الحيّة. هنا وراء هذه السقالات الضخمة، والرافعات العملاقة، والخيم، والدراجات الهوائية، وقوانين العجز الإنساني المستقاة من أخطر برهة تجمّع في ميدانها كل هؤلاء الشباب. فجميعهم ولد تقريباً من رحم الحرب الأهلية اللبنانية، أو كما تردد صبية حلوة معبرة عن هذه الفحوى بالقول انها تريد أن تفهم ما الذي جرى بين نيسان 1975 ونيسان 2005. ربما تكون هي أصابت في مطلع سؤالها فقط، فنيسان هو أقسى الشهور كما يريد الشاعر، والعودة اليه، أو تجميع الأحداث بين «نيسانين» تخلق مساحة أخرى للتبصر في ثنايا هذه الحرب التي جعلت الأخ «يقوّص» على أخيه كما شاهدنا في الفيلم الجديد. عين الكاميرا تتحول نادين زيدان مع تقلب الأحداث وانتصار الشاشة التلفزيونية المفاجئ، الى عين للكاميرا القلقة، الباحثة عن الحقيقة والسراب، كما تريد لها المخرجة بالضبط، فهي تجنح بالأحداث نحو الرواية المفصلة بالنسبة للحاضرين في الفيلم، اذ تبدأ هذه العين الدامعة الحزينة تخرج من إغماضتها على علاقة عاطفية مشبوبة عاشتها نادين مع «شخص مدة أربعة أعوام ونصف»، الى المحيط العام الذي يبدو متململاً وفي انتظار شيء أن يحدث أو يجيء، فيما هدّأ البعض من روعها وطالبها بألا تحزن لأنها نالت استقلالها من هذا الشخص. تضحك العين الأنثوية، ربما بإشفاق على العين الأخرى المسلوبة والمستسلمة للصورة الفيديوية المتضخمة على حساب كل شيء، وتقرر أن تتوغل أعمق فأعمق في الأحداث التي تدور من حولها بعد أن تتجاوز المحنة الشخصية الى محنة جماعية يعيشها البلد الكبير. تغوص نادين في الجموع، وتبدأ هذه العين الدامعة بتفتيت جوهر الصورة الكاملة. تعيد تصفيف الرواية بالأناقة المعهودة من ميّ المصري نفسها، وهي الذات الجمعية التي تنسحب على كل ما هو جوهري أمامها، فليس الملقب بـ «ترميناتور» هو المدافع عن هذا الاستقلال، بعد أن يزعم أنه ظل صامتاً فترة طويلة. والآن من بعد السؤال عن أحواله جاء دوره ليترك الفكر والنخبة المشتعلة وينضم الى لبنان بصوته. ولا













