
دمشق ــ خليل صويلح
جريدة الأخبار اللبنانية 2 نيسان 2007
أفلامه التي تستعيد ذاكرة منهوبة ومقموعة، توثيق حقيقي للحرب اللبنانيّة. إنّه جان شمعون: سينمائي على جبهات القتال، كأن مشاريعه لا تكتمل إلا في المعمعة. تحيّة لـ“الرجل المهرجان” الذي خصّه فجر يعقوب بكتاب يستعرض سيرته، ويناقش تجربته وأعماله
أنهى جان شمعون دراسته السينمائية في باريس، أوائل السبعينيات. شارك في “الثورة الطلابيّة” في أيّار (مايو) باريس 1968. ثم عاد إلى لبنان محمّلاً أفكاراً ثورية عن السينما بوصفها سلاحاً في المعركة! في بيروت، أخذته الحرب الأهلية (1975) على حين غرّة، فلم يصحُ على نفسه إلا وهو في معمعتها وأتونها. هكذا ذهب إلى الفيلم الوثائقي كأفضل تعبير عن تطلعاته، مؤجلاً عن طيب خاطر كل ما يتعلق بطموحاته الجماليّة، ومشروعه السينمائي الفعلي. لكن، مع تراكم التجارب والأفلام الوثائقيّة التي احتلت موقعاً أساسياً في “المعركة” الوطنيّة والسياسيّة، وأفرزت جمهورها الخاص، بدا أن ذاك “المشروع” نفسه اتّخذ مجرىً آخر…
بدأ جان شمعون حياته المهنية بأفلام عن القضية الفلسطينية، هذه القضية التي يعتبرها جوهر المسألة، وقضيّة العرب المركزيّة التي تتمحور حولها كل المعارك المطلبيّة الأخرى. هكذا يدافع عنها حتى اليوم باعتبارها “رهاناً مستقبلياً” لا موضة قديمة، كما يعتقد بعضهم! فيلمه الأول في هذا السياق كان بعنوان “تل الزعتر” (1976) بالاشتراك مع مصطفى أبو علي وبينو أدريانو، ثم جاء “أنشودة الأحرار” (1978). خلال الحرب، اختُطف عند حاجز للقوات اللبنانية، فتدخل لإنقاذه الرئيس الراحل كميل شمعون شخصيّاً، بعد أن اعتبره “الخروف الأسود في العائلة”.
سينمائي خط التماس، لم يتردد لحظة واحدة في توثيق الحرب الأهلية اللبنانية في جسارة تشبه عبثية الحرب نفسها. في حصار بيروت عام 1982، ألغى جان شمعون مشروع فيلمه عن أنطون سعادة (زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي)، حمل الكاميرا واتجه إلى شارع الحمراء. وجده خالياً وكانت المقاهي مقفرة. لحظتها، ولدت لديه فكرة مباغتة: أن يرتدي عباءة بيضاء، ويتجوّل في الشارع لاقتناص مفتاح شريطه الجديد. استأجر حماراً من رجل عجوز، كان يقبع وحيداً أمام بناية خربة، واتجه إلى “مقهى باريس”، مربط خيل المثقفين يومها. حمّل الحمار مصلاً مربوطاً إلى أنبوب، وأخفاه عن عين الكاميرا، ثم أوقف الحمار أمام واجهة المقهى، كلّما تمّ الضغط على كيس المصل كانت الماء تنفر، فيبدو الحيوان كأنّه يبول. كان سؤال اللقطة الأولى: أين ذهب المثقفون الذين كانت تغصّ بهم مقاهي الشارع؟ شراسة الحصار قادت عدسة جان شمعون إلى مناطق أكثر عنفاً ووحشية. كان أول الشهود على مجازر صبرا وشاتيلا. اختارت إحدى القنوات الأميركية ست دقائق من الشريط عن “الدياسبورا الفلسطينية”، بينها مشاهد خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت.
وبعد هذه المسيرة “النضاليّة” والسينمائيّة الصاخبة التي تَشارك فيها مع رفيقة دربه مي المصري، ولم ينتج خلالها حتّى الآن سوى فيلم روائي طويل واحد، ها هو السينمائي اللبناني الرائد محور الاحتفاء والتكريم، بعد صدور كتاب يورّخ مسيرته بعنوان “جان شمعون: الرجل المهرجان”ويحمل توقيع الناقد فجر يعقوب (سلسلة “كراسات السينما” في دبي). الكتاب محاولة لاقتفاء أثر صاحب “رهينة الانتظار” ومشاريعه السينمائية التي لا تكتمل إلا في لهيب النار وأتون التجربة.
في حصار بيروت، التقى جان سينمائية فلسطينية مغامرة هي مي المصري. عملا معاً في مؤسسة السينما الفلسطينية، قبل أن يتزوجا في باريس، وكانت حصيلة هذه الشراكة أفلام عدة، مثل “تحت الأنقاض” (1982)، و“زهرة القندول” (1985) و“أحلام معلّقة” (1992). في هذه الأشرطة تتقاطع وتتواشج صور قصف المخيمات الفلسطينية والضاحية الجنوبية، وحكايات قرى الجنوب في مواجهة الهمجيّة الإسرائيليّة… سجل عمل ميداني حقيقي لم يتردد خلاله السينمائي في التعرّض للموت بقصد الحصول على ل













