"سينمانو " تعيد نشر عكاز الشاعر … عكاز السياسي بمناسبة رحيل الحكيم

كانون الثاني 29th, 2008 كتبها فجر يعقوب نشر في , من الارشيف 3

 

كان ذلك في فورة يوم شتائي بارد تنتصر فيه الكآبة لنفسها وتزيد من تجهم الأفكار الرمادية التي تساورنا كلما التقى الشاعر بالسياسي أو العكس. ربما أصاب ميشيل عفلق يوماً عندما قال: السياسة ملجأ الأديب الفاشل. ولكنه هنا لم يصب، إذ تظهر روح الشاعر في السياسي قبيل الغروب بقليل. الغروب الذي تكون شمسه هنا باردة ومعتكفة أيضاً.

حقاً كان ذلك البرد تاريخياً في موعظته يوم قرر الفلسطينيون تكريم محمد الماغوط في مكتب (الحكيم) جورج حبش الواقع في قلب دمشق.
في ذلك اليوم الاستثنائي، وكأن الأيام قد توقفت في هذا الموقع عن تقليب "أسعارها" في بورصة الحياة نفسها، جاء الماغوط وبيده عكازه الذهبي، وتسبقه فكرة مقته لهذه الاحتفاليات باعتبار أن من يقوم بها إنما ينوي به شراً. وهو ـ أي الماغوط ـ كان يرتاب بكل شيء من حوله، ولكنه لم يرتب بفلسطين التي تشبث بها مثل مغفل.

كان عكازه استثنائياً أيضاً، بعكس اشراقات قصيدته المهداة لبدر شاكر السياب (التعس في حياته وفي موته)، يوم كانت عكازه بيد الوطن، لا بيده هو. أي لم يكن يقبض عليها هو السياب، اشتهر بتردده وتقلباته، ولم يصنع منها دمية لقلبه الشوكي المدمى، مثل الماغوط الذي صنع من خوفه فرساً خبَّ فيه عبر كل العصور بسهولة ويسر لا مثيل لهما.

وكان بوسع محمد الماغوط، كما كان يحس في تلك اللحظات المتصدعة، أن يمشي بخطى محمومة وهو على عكازه نحو تقريع كل من يريد، بخلاف الصورة التي انتشرت عنه في الأقمار العربية.. أي كل ذلك اللحم البشري المترامي الأطراف، والممدد على أريكة لم تعد تأبه بالشعر كثيراً، أو بأسراره.. وجلَّ ما بقي له بعد أن نفض يديه من السياسة والسياسيين عقاقير وأدوية وبقايا زجاجات كحول مضاءة بماضٍ قديم ومغبر، وبعض من صعلكته المأزومة إذ لم يعد هناك لها أي صدى في مدينة متجهم

المزيد