ديكتاتور في الفراغ

كانون الأول 3rd, 2007 كتبها فجر يعقوب نشر في , من سيرتي 5

المستقبل - الاحد 2 كانون الأول 2007 - العدد 2809 - نوافذ - صفحة 13

فجر يعقوب

مات عازار حبيب. مات المغني اللبناني دفعة واحدة، أو هكذا خيّل لي وأنا أقرأ خبر وفاته في الصحف، فقد كان الخبر مقتضباً، ولاأعرف ما الذي فرض عليّ هذا التصور الماكر عنه، وكأن الناس يموتون على دفعات، أو بالتقسيط، أو يموتون من دون أن يجنون كل تلك الآثار الإيجابية التي تنتج أحياناً عن الموت نفسه.
مع عازار حبيب، تبدو الأمور وكأنها مستغرقة في قاع بعيد لم يعد متوفراً اليوم، أو قد لايتوفر ثانية. ففي يوم بارد من أيام كانون الثاني من عام 1980، كنا نعيد تقليب فكرة التسلط على الأرواح في مدينة الدامور الساحلية اللبنانية من أجل إعادة تصنيفها ومراوغتها بالايديولوجيا التي كنا نتسمر اليها طائعين في تلك الأيام. وكانت هذه الأرواح تئن بين ملزمتين على الدوام، فهناك في مستودعات الذاكرة البعيدة تقبع صورة البنادق الأميركية من طراز (ناتو)، وهي قريبة في الشكل من بنادق م 16 اذ لم تسبغ يومها علينا نعمة البنادق الروسية الذائعة الصيت (كلاشينكوف) لسبب لم أفهمه يومها. حقاً لم أفهم الفارق بين بندقيتين، سوى أن البندقية الروسية شعبية جدا ولاتصدأ حتى لو غسلتها بالمياه وبللتها بالطين، بعكس البندقية الأميركية الارستقراطية نوعاً ما والتي كانت مصدر تعاسة وشقاء لنا، فقد كنا مضطرين لتنظيفها يومياً قبل أن نهجع مطمئنين إلى أسرّتنا الحديدية المتجهمة في أحد قصور الدامور الخربة.
هل كنا صغاراً إلى هذا الحد كي لانجيد التفريق بين آلتين مستنسختين من فكرة الموت دفعة واحدة..؟؟
لم نسأل عن الفارق بين هاتين الآلتين، فقد كان يبدو لمن تستولي عليه دهشة الأطفال وهو مقوس الظهر أن الفارق لفظي، وإن كذبة صدأ تلك البندقية من عدمها غير مؤكدة، فلم يحدث وأن توقفت (ناتو) عن اطلاق الرصاص في كل الاتجاهات التي اخترعناها في تلك الأيام. وهكذا نسينا أمرها، أو تجاهلناها عمداً، وانحنينا مع مرور الوقت على فكرة تفحص الأرواح من الداخل، من الداخل العجيب. ففي أحد الأيام صحوت لأجد (ناتو) فوق رأسي وهي تبحلق بي مكشرة، ومامن أحد من "نزلاء" القصر يستوي في سريره الحديدي وكان الوقت ظهراً. نهضت على عجل، ووجدت نفسي ملكا في قصر مهدم من دون ساعات حائط ضخمة أو مراوح ملكية يقوم عليها اثيوبيون، وليس هناك حاشية من أي نوع تقوم على امدادنا بالفطور الصباحي المؤلف من زبدة ومربى وخبز مرقوق. خرجت مسرعاً وقد نسيت أمر (ناتو). تركتها في مكانها، وهذه كانت من الأخطاء القاتلة بحسب العارفين. لم أكترث لأمرها في تلك اللحظات، فقد غافلتني الدروب الملتوية صعودا ونزولا قبل أن أصادف شابا تونسيا ممراحاً بطبعه واسمه عصام ينادي عليّ من بعيد ويلوح لي باشارات لم أفهمها حينها إلا عندما أصبحت على مقربة منه. قال لي إن الشباب منتشرون لأن الطيران الإسرائيلي يحوم في الجو منذ الصباح الباكر، وقد قصف منطقة الرميلة الساحلية القريبة من مدينة صيدا قبل قليل، ثم سألني عن رفيقة الدرب (ناتو)، فأجبته بأنني تركتها في القصر. أراد أن يؤنبني على فعلتي، ولكنني تجاهلته وعدت أدراجي مشياً

المزيد